المنجي بوسنينة
495
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بوجه خاص ، رتبت على السنين . ويبدو هذا واضحا في القسم الأول ، أيام كانت مصر ولاية إسلامية ، في عهد الخلفاء الراشدين أو بني أمية أو بني العباس ، ولكنه يتقدم نحو التركيز على تاريخ مصر والتوسع فيه ، حتّى إذا بدأت دول مصر الإسلامية المستقلة ، بلغ هذا التوسع حد الإفاضة ، ولا سيما في عصر الدولة الفاطمية . وقد أفاض في أصل الخلفاء الفاطميين وبلاطهم ورسومهم في القصر ، وفي الركوب في الاحتفالات العامة ، وفي الحكم ، وفي الخطابة . والمجتمع الفاطمي وسير الخلفاء الفاطميين تجري قلمه بعرض جزل شائق ربما كان أبلغ قطعة في مؤلفه . أما العصر المملوكي الذي عاش فيه فإنه يبلغ في مؤلفه أوفر حظ من الشرح والإفاضة ، ويتخذ في أواخر كتابه صورة السجل اليومي ، لا تفوته كبيرة أو صغيرة ، خصوصا إذا ذكرنا ما كان له من صلات وثيقة بالبلاط والكبراء وأهل الرأي وهم مصادر التحقيق والرواية ، كما كان يعنى بالمشاهدة الواقعية في كثير من الحوادث ، وهو ما يذكره في مواضع كثيرة ؛ ولنيل مصر من عناية أبي المحاسن حظ أوفر ، فهو يحصي تقلباته في الوفاء والنقص عاما فعاما - من سنة الفتح 20 ه إلى سنة 872 ه ، معتمدا فيما تقدم من العصور على طائفة كبيرة من الرواة والمؤرخين وبخاصة ابن عبد الحكم ، وابن زولاق ، والمقريزي ؛ وبذلك يقدم لنا أتم جدول عن تقلبات النهر على مدى ثمانية قرون ونصف قرن . ويعرض أبو المحاسن تاريخ مصر في بيان سلس جزل ، يرى ماثلا في أقسامه الأولى ، غير أنه في القسم الأخير منه ، أي القسم المعاصر ، ينحدر إلى شيء من الركاكة . والسر في ذلك لا يرجع إلى ضعف في بيان المؤرخ ، ولكنه يرجع إلى حوادث العصر ذاتها ، وإلى غلبة الأساليب الضعيفة يومئذ في التعبير ، عن شؤون الحرب والسياسة ومهام الدولة . فالمؤرخ إنما يخرج صورة عصره بأساليب عصره ولغة عصره ؛ وقد استفاد ابن تغري بردي في أبحاثه التاريخية من مؤرخي مصر السابقين ، وأولهم ابن عبد الحكم صاحب كتاب « فتوح مصر وأخبارها » وأول مؤرخ لمصر الإسلامية ( 187 ه - 803 م / 257 ه - 871 م ) . ويقتبس من الحسن بن زولاق ( 306 ه - 919 م / 387 ه - 997 م ) صاحب كتاب « فضائل مصر » ، لكنه يكتفي بالإسناد إلى ابن زولاق دون تعيين اسم كتابه . كما نقل عن المسبحي - الأمير المختار عز الملك محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسماعيل المعروف بالمسبحي ( 366 ه - 977 م / 420 ه - 1029 م ) صاحب كتاب « التاريخ الكبير » أو « أخبار مصر » ، عن عصر الحاكم بأمر اللّه الفاطمي . كما ينقل عن القضاعي - هو القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي ( ت 454 ه / 1063 م ) - صاحب كتاب « المختار في ذكر الخطط والآثار » . وإذا كان ابن تغري بردي قد اعتمد بالنسبة إلى الفترات الأقدم ، على مؤلفات سابقة فإنه حاول أن ينقد مادتها نقدا تاريخيا ، كما أن عرضه لتاريخ عصره يتمتع بقيمة كبرى . ويذكر بروكلمان في دائرة المعارف الإسلامية - نقلا عن نشرة جوينبل - أن النسخة المنقحة من هذا الكتاب تمت بين عامي 860 ه - 1456 م / 862 ه - 1458 م . وقد قام المستشرق الهولندي تيودور وليم جوينبل ( 1802 - 1886 م ) بتحقيق ونشر المجلدين